لولا الفقر والحزن الذي عاشه أشهر كاتب في تاريخ المغرب، الريفي محمد شكري، لما وصل إلى العالمية بكتابه ” الخبز الحافي ” والمترجم إلى العشرات من اللغات العالمية والعابرة للحدود وبدون قيود.
ولولا هذا الكتاب بالضبط، لما أدمنت ثنائية القراءة والكتابة ذات أيام من نهاية تسعينيات القرن الماضي.
تذكرت هذه الأشياء عند توصلي بخبر وفاة الإعلامية والممثلة، كوثر بودراجة، قبل أيام، والتي كانت معرفتي بها من طرف واحد وعن بُعد، قليلة ولا تتعدى بضع ذكريات من فترة اشتغالها مقدمة لبرنامج على قناة نسمة، في الوقت الذي كانت تنقل فيه القناة التونسية مباريات دوري أبطال العرب، والذي كان يُشارك فيه نادي الوداد الرياضي سنتي 2008 و2009.
ما أثار انتباهي في الفيديوهات الأولى التي نُشرت عن الراحلة فور وفاتها وحتى قبل ذلك بأيام، هو ذاك الحجم الكبير من الحزن اللامع من عيونها، وطريقة تعبيرها عنه بتلقائية لا تعرف للكذب حدودا ولا قيودا، فوجدت الكثير من كلامها واعترافاتها صادقة ونابعة من القلب وموجهة إلى القلوب المحبة للصدق والصراحة، كأنها تتكلم عن جزء من حياتي.
وكلما سمعت أشياء جديدة عنها وعن حياتها بفمها، بالرغم عنا مثلما هو مبرمج لنا على الفايس بوك، إلا وتذكرت لحظة مقابلتي لمديرة نشر أحد المواقع الإلكترونية قبل 13 سنة، وقتها سألتني عن سر ذاك الحزن المُخزن في الصورة التي كنت أضعها في حسابي على الفايس بوك، صورة التقطتها بمقر عملي بمدينة العين الإماراتية سنة 2010، وعلى طريقة “السلفي” قبل أن تصبح ظاهرة إنسانية، ولا أنكر أنني أبدو فيها حزينا لدرجة لا تتصور.
رحيل الحزينة كوثر بودراجة إلى هناك حيث ستلتقي بربها كما كانت تُمنى النفس خلال فترة مرضها بالمرض اللعين، لا يشكل خسارة لأسرتها الصغيرة ولا لعائلتها الكبيرة وأقاربها في الوسطين الإعلامي والفني، بل هي خسارة للصدق الصادق، حيث افتقدنا واحدة من المدافعين عنه في معركة النفاق بين الرفاق والأشقاء والأصدقاء، ورحلت عنا إعلامية مثقفة في عصر سيطرت على حياتنا ثنائية التفاهة والرداءة، في أفق أن يدخلا في مرحلة نقاهة.
ما ألمني أكثر في وفاة الصادقة كوثر بودراجة، هو رحيلها في سن مبكرة، ربما لو أطال الله في عمرها لكانت ستغير الكثير من قناعاتها الشخصية وطريقة خرجاتها الإعلامية، تمنيت لو ذهبت عند خالقها في حالة أفضل مما كانت عليه في سنوات حياتها القصيرة.
لو قدر لي اللقاء بالراحلة ولو لبضع دقائق قبل رحيلها المبكر، لقلت لها بأنني سبقتها في التخرج من مدرسة الأحزان، وسأخبرها أننا نتشارك في الكثير من الأشياء، بدءا من العزلة الاختيارية منذ الطفولة، والقراءة داخل غرفة مغلقة لساعات طوال، والصدق في التعامل والمعاملات، وأن عنوان حياتنا معا واضح من الحزن اللامع من عيوننا، والملامح الصارمة والعابسة وإن كانت تبدو على الوجه كأنها لطفل صغير ذو براءة لا تخطئها العين، لكن ذاك الوجه الطفولي شاخ قبل الأوان.
وداعا أيتها المتألقة في مدرسة الأحزان.
وداعا أيتها اللامعة في جامعة الصدق.
وداعا كوثر بودراجة.
وإلى اللقاء هناك، لنتكلم عن من أحزننا وجعلنا صادقين رغم ذلك.
عز الدين امزيان 4 يوليوز 2025