في البدء، لابد من الإشارة إلى أنه ومنذ الصغر، لا تجمعني بالمسلسلات والأفلام إلا خير القطيعة وإحسان الابتعاد عنها قدر الإمكان، لكن يحدث أحيانا، وخاصة خلال فصلي الخريف والشتاء من إحدى السنوات، أن أستهلك دفعة واحدة وفي أيام قليلة، ما كان ينبغي لي أن أتابعه خلال شهور طويلة، من إنتاجات الدراما المغربية، وتلكم عادة قبيحة أعترف بها ولم أقدر على التخلص منها، ولا يقتصر أمرها في هذا الإطار، وإنما في جميع أموري الشخصية، فأنا متطرف في الابتعاد والاقتراب من أي شيء.
فخلال الشهور الثلاث الماضية شاهدت ما يقارب 150 حلقة لخمسة مسلسلات مغربية، فكانت الحصيلة وبصدق قريبة جدا مما يمكن تسميته بالإبداع الحقيقي، بدء بمحتوى السيناريو الذي كان في المستوى، والإخراج تطور بشكل ملحوظ، والأهم من كل الأشياء المهمة السابقة، أنني لم أتابع تلك الوجوه التي اعتادت على تشويه ملامحها حتى تضحك وتنال إعجاب المشاهدين.
وأيضا تلك الأمور المتعلقة بخدش الحياء، والمشاهد الجريئة المبالغ فيها لإيصال ما ينبغي توصيله إلى المستهلك المغربي، فلم أشاهد لقطات العري والجنس في أي مسلسل، فجاءت كلها تقريبا أقل مما يشاهد مباشرة في كل ثانية بشوارع المغرب، كأنني أشاهد مسلسلا لبداية تسعينيات القرن الماضي، وليس في العشرية الثانية للألفية الثالثة.
ومع ذلك ثمة ملاحظات استوقفتني، تلخص في تشابه القصص، كقضاء أب أبطال المسلسل لعمره كله وراء قضبان السجن، والنهاية تكون سعيدة بزواج أحد أبناء المتهم ظلما من أحد أولاد الفاعل الحقيقي للجريمة، ودائما ما يكون من طبقة الأغنياء التي تشتغل في مجال العقار، مما يؤكد أن فئة واسعة من المشتغلين في هذا الميدان، جمعت ثروتها على ظهر الفقراء والمساكين، ولم يكن طريق نجاحهم مبللا إلا بعرق الضعفاء ودماء البسطاء.
أثار انتباهي أيضا تكرار فكرة أن أقرب المقربين للمجرمين الأثرياء يكونون مجرمين، في نسخة طبق الأصل، لما لا وهم تخرجوا من مدرسة النصب والاحتيال، وفي المقابل تجد أحد أبناء المجرمين من أطيب خلق الله وأنبلهم، لكنه سيء الحظ، وتلكم عادة وخاصية الأشخاص الأسوياء الطيبين.
أعتقد شخصيا لو ارتفع كم المسلسلات والأفلام المنتجة سنويا، فإن المشاهد المغربي سيتابع باستمرار دراما مغربية أصيلة وفي المستوى المطلوب، ولن يهجر القنوات المحلية، فليس بالعري والمظاهر الخادشة للحياء يمكن جلب المشاهدين، بل بالاحترام التام لتقاليد وعادات المغاربة، واحترام ذكائهم قبل أي شيء.
عز الدين امزيان 18 يناير 2022