نشرت أسبوعية الأيام في عددها ليوم الخميس 12 شتنبر الجاري، ضمن سلسلتها الجديدة ” مخترعون مغاربة عبر العالم ” حوارا مع المخترع المغربي المنحدر من مدينة تاوريرت، نبيل بودراح، تحدث فيه عن مشواره الطويل والغني في مجال الاختراعات، سواء بالمغرب أو في أوروبا، والموزعة بين عدة ميادين متباعدة ولا تربطها أي صلة، مثلما هو الحال مع مجالي الأمن والتسليح العسكري من جهة والطب من جهة أخرى.
في البدء، و لتوضيح هدف هذا المقال، لابد من التذكير أنه لا يسعني سوى الافتخار بما أنجزه هذا المخترع المغربي، و أنني لا أنفي أي شيء يقول إنه اخترعه، بل إن ذلك متروك للأيام، و الأهم من ذلك تنزيله على أرض الواقع، لكن لابد أيضا من ربط اختراعه لطبيب منزلي MEDI-H بما ادعت اختراعه، إليزابيت هولمز Elizabeth Holmes، أشهر و أصغر نصابة عرفها وادي السيليكون بولاية كاليفورنيا الأمريكية، و ما أدراكم بهذا المكان الذي اجتمع فيه عمالقة الأنترنيت، بدءا من مايكروسوفت و غوغل، مرورا بأمازون و يوتوب، وصولا عند فايس بوك و تويتر، و اللائحة طويلة جدا لا يسعى المجال لذكرها أو حصرها.
بالعودة لفكرة اختراع المخترع المغربي، نبيل بودراح، فهي نفس فكرة الشابة الأمريكية، إليزابيت هولمز، و التي خدعت بها كبار رجال المال و الأعمال عبر العالم، لعشر سنوات بالتمام و الكمال، قبل أن تكشف جريدة وول ستريت جورنال حقيقة مزاعمها و أكاذيبها، عبر تحقيقات صحفية استقصائية لمدة ليست بالقصيرة، بلغ عددها 40 تحقيقا أنجزها الصحافي جون كارييورو John Carreyrou، و التي انتهت بالكشف عن خدعتها في جني 9 ملايير دولار أمريكي، بهدف تمويل مشروعها الواعد، أو إن صح التعبير مشروعها الوهمي، و غير القابل للتنفيذ في السنوات المقبلة على أقل تقدير، كما يصف ذلك معارضوها و منتقدوها.
و الغريب في أمر المخترعة الأمريكية، إليزابيت هولمز، أنها تركت سنة 2003 ميدان تخصصها في الهندسة الكيميائية بجامعة ستانفورد الأمريكية، لتتجه نحو مجال الطب، مثلما فعل بالضبط المخترع المغربي، نبيل بودراح.
وتبدأ في تحقيق حلمها الذي وصفه الكثيرون بالمجنون، من خلال اختراع آلة صغيرة على شكل جهاز حاسوب يعمل كطبيب منزلي، قادر على كشف جميع الأمراض وتقديم جميع الأدوية، وذلك بسحب نقطة دم واحدة من أصابع اليد، لتكون النتيجة في متناول المريض في ظرف لا يتجاوز نصف ساعة فقط.
و لإعطاء فكرتها صبغة احترافية و البدء في جمع الملايير، قامت الحسناء الأمريكية، بتأسيس شركة تيرانوس Theranos (وهي جمع للكلمتين Therapy أي العلاج وDiagnosis أي التشخيص) بوادي السيليكون، و هي لم تتجاوز ربيعها التاسع عشر، و بدأت في جمع المال الكثير من أشهر الأغنياء عبر العالم، لبدء تجاربها التطبيقية في مختبرات خاصة بذلك، مقلدة في ذلك لباسا و حركات، نجمها المفضل مؤسس أبل، ستيف جوبز، لدرجة أن وصفوها بخليفته في القرن الواحد و العشرين، لما لا و هي اعتمدت على نفس فريق التسويق الذي كان يعمل إلى جانبه، والذي ساهم بقسط مهم في إنجاح شركة أبل، و جعلها إمبراطورية التكنولوجيا في ظرف وجيز.
وعملت إليزابيت هولمز على أن تظل شركتها تيرانوس سرية قدر المستطاع لمدة وصلت إلى 11 سنة، حتى لأقرب المقربين منها والموظفين في شركتها، بهدف حماية نفسها من المنافسين والأعداء كما تقول، ولم يتم الكشف عنها إلا بعدما ظهرت على غلاف إحدى أشهر المجلات الأمريكية، ومن تم بدأت تسلط عليها أضواء الشهرة، و أصبحت مادة دسمة لوسائل الإعلام بمختلف أصنافها، خاصة الإلكترونية منها.
في بداية طريق نجاحها و جمعها للملايير، تسلقت إليزابيت هولمز ( من مواليد 1984 )، سلم الشهرة و ريادة الأعمال بسرعة كبيرة جدا، لدرجة أن صُنفت كأصغر مليارديرة عصامية في العالم لسنة 2004، بثروة تقدر بـ4 .6 مليار دولار أميركي، حسب ما جاء في التصنيف السنوي لمجلة فوربيس الأمريكية.
وترجع حسناء وادي السيليكون، أسباب نجاحها المبهر و السريع، إلى كونها لم تأخذ عطلة طيلة 10 سنوات كاملة، كما أنها لا تملك جهاز تليفزيون في منزلها، وليس لديها أصدقاء تقضي معهم أوقات فراغها، فهذا الأخير لا يوجد في قاموس حياتها اليومية، فهي تشتغل طيلة أيام الأسبوع مرتدية زيا موحدا، مكون من بذلة سوداء وبلوزة من ذات نفس اللون، مثلما كان يفعل أيقونتها السابقة ستيف جوبز، ولم يقتصر تقليدها له في ذلك، بل تعدى ليوم الاجتماع مع فريق عملها، كما كان يفعل مؤسس أبل.
وتزامنت شهرتها وإشعاعها الدولي، مع مرحلة كشف زيف إدعاءاتها واستحالة الاستغناء المطلق عن الأطباء و مختبرات التحليل، ليتم في نهاية الأمر الإعلان الرسمي عن احتيالها، من طرف السلطات الأمريكية، و إغلاق شركتها تيرانوس والمختبرات التابعة لها، وكذلك متابعتها قضائيا في تهم تصل عقوبتها السجنية لعشرين سنة.
ولم تقتصر عملية الخداع على رجال المال و الأعمال فقط، وإنما تعدى ذلك لأشهر رجال السياسة الأمريكية، يتقدمهم وزير الخارجية الأسبق، هنري كسنجر، والرئيس الأمريكي السابق، بيل كلينتون، هذا الأخير و في لقاء مباشر على إحدى الفضائيات الأمريكية، جمعه مع شقراء وادي السيليكون وبحضور أغنى رجل في الصين و صاحب إمبراطورية علي بابا للتجارة الإلكترونية، جاك ما، استفسر كلينتون هولمز عن السن الذي أسست فيه شركتها تيرانوس، وطالبها أن تخبر بذلك الحاضرين في ستوديو التصوير و معهم الملايين من المشاهدين، فأجابت بكل تلقائية و الابتسامة لا تفارقها، بأن ذلك حدث عندما كانت في سن التاسعة عشر من عمرها، ليردد على الفور بيل كلينتون جملة زادت من ثقتها في النفس، حيث قال بالحرف ” لا تقلقوا على المستقبل فنحن بأيادي أمينة”.
عز الدين امزيان – صحافي و باحث ( نشر بأسبوعية الأيام المغربية ) / 16 شتنبر 2019