للمغرب مثل بقية بلدان العالم الكثير من الأثرياء التي تصنفهم مجلة فوربيس الأمريكية المتخصصة في إحصاء ثرواj الأغنياء على الصعيد العالمي ضمن لائحة الأثرياء على الصعيد العربي و القاري، و لكرة القدم في نفس الوقت شعبية كبيرة جدا بالمغرب، و مع ذلك لا نجد أي علاقة تربط بين الطرفين مثلما هو الحال في بقية بلدان العالم، و لم نصل بعد لمستوى أن يستثمر ثري مغربي بعضا من ثروته داخل فريق كروي على سبيل المثال لا الحصر، و أن تكون هناك استفادة متبادلة بين الطرفين تعود بالنفع الكبير على الوطن ككل.
فالأثرياء المغاربة كونوا ثروتهم في العديد من المجالات ( العقارات، الأبناك و الفنادق ..) و لم يتركوا أي ميدان إلا و استثمروا فيه الملايير باستثناء الرياضة عموما و كرة القدم على وجه الخصوص، ظلت بعيدة عن أموالهم و ثرواتهم الكبيرة، كأنها مجال غير منتج، و الربح فيه غير مضمون كما هو الحال في بقية المجالات الأخرى، لكن إلقاء نظرة خاطفة على تجارب الآخرين بكبريات البطولات العالمية يؤكد قولا و فعلا أن كرة القدم مثلا تجارة قائمة الذات، و صناعة مربحة تغري رجال الأعمال و الأثرياء الروس و الأمريكيين مثلما تجذب أنظار أثرياء الخليج.
صحيح أن بطولتنا لم تصل بعد لمستوى الإحتراف الحقيقي المنشود، و لازال طريق ذلك مفروشا بالكثير من المشاكل و العراقيل التي يمكن التغلب عليها في القادم من السنوات، لكنها على الأقل لها جمهورها الكبير و هناك الكثير من الطاقات الخامة التي تحتاج لمن يعتني بها و يهتم بها في أفق أن تصبح نجوما لها شأن كبير في عالم الساحرة المستديرة، عكس دوريات الخليج التي لا تجلب حتى عشرات المتفرجين، و لا تتوفر أنديتها على قاعدة كبيرة من الممارسين مثلما هو الحال بالمغرب، و مع ذلك نجد عطف كبير من لدن أغنياء تلك البلدان على الأندية التي يفضلون و يمليون لتشجيعها، و يضخون الملايير في تلك الأندية كعربون حب و وفاء لهم للوطن الذين يجمعهم، و على سبيل المثال لا الحصر يقوم هناك الأثرياء الذين يشجعون فريقا معينا لكرة القدم باقتناء تذاكر مبارياته بالكامل و توزيعها بالمجان على جماهير هذا الفريق لضمان حضور جمهور كبير يفوق جماهير الفريق المنافس الذي يشجعه و يموله ثري آخر.
و ما دمنا نتحدث عن أثرياء الخليج، فقد تحدث مصادر إعلامية قبل أيام عن عزم بعض أغنياء دولة قطر الدخول في استثمار حقيقي بالكرة المغربية و المغاربية، بعدما نجحوا في تحويل بعض الأندية العالمية من العادية لأقوى الأندية التي تنافس على البطولات و الكؤوس المحلية و القارية، و ما نموذج باري سان جيرمان الفرنسي لخير مثال على ذلك، و قبل ذلك تجربة الإماراتيين في فريق مانشستر سيتي الذي عاد للتوهج من جديد بعد غياب لعقود عن منصة التتويج بالدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم، و ما أدراك ما للدوري الإنجليزي من سمعة على الصعيد العالمي بوجود أندية عملاقة يوجد خلفها الكثير من المستثمرين الروس، الأمريكيين و الأستراليين، استثمروا الملايير الكثيرة لإمتلاك تلك النوادي الكروية العريقة.
بالمغرب لم نصل بعد لمتسوى أن يستثمر أحد الأغنياء المغاربة بعضا من ملاييره في القطاع الرياضي، و لا زال وجودهم محتشما من خلال علاقات استشهارية مؤقتة لا أقل و لا أكثر، كما كان الحال قبل سنوات داخل مجموعة ” الشعبي للإسكان ” مع فريق الوداد الرياضي، حيث كانت هناك عقدة استشهارية لمدة سنتين مقابل مبلغ مالي في حدود 100 مليون سنتيم سنويا للوداد الرياضي نظير وضع الهوية البصرية للمجموعة التابعة للملياردير ميلود الشعبي على أقمصة الفريق الأحمر و على جنبات مركب محمد الخامس كلما استقبل الوداد مبارياته بالدارالبيضاء، و كذلك الشأن بالنسبة لشركة إفريقيا غاز التابعة للملياردير عزيز أخنوش مع فريق حسنية أكادير.
هناك أيضا عقد استشهاري لكنه لا يجمع إحدى شركات أحد الأغنياء المغاربة مع فريق كروي، و إنما يجمع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مع شركة المياه المعدنية ” سيدي علي ” التابعة لشركة هولماركوم المملوكة لعائلة بنصالح الثرية، لكن هذا العقد الإستشهاري الدائم و الأساسي للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لم يأت عن طريق ما تحققه الكرة المغربية من انجازات قارية و دولية، و إنما جاء نتيجة العلاقة التي تجمع الرئيس السابق للجامعة الجنرال حسني بن سليمان و عائلة بنصالح، مما يفسر أنه لولا التدخلات و العلاقات الثنائية لما ضخت عائلة بنصالح بعضا من الملايين في شرايين الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
الأثرياء المغاربة لا يتحملون المسؤولية لوحدهم في ترك الرياضة المغربية تغرق في بحر الفقر، لكن هذه الأخيرة و معها كل من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم و وزارة الشباب و الرياضة هي من تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، لغياب الديمقراطية عن الجموع العامة لها، و لا توجد شفافية واضحة في تقاريرها المالية، و عدم رغبة الرؤساء في تحويل الأندية لشركات خاصة للنهوض بالكرة المغربية، لأنه وقتها لن تكون هناك أي استفادة ( مالية و معنوية ) لرؤساء الأندية المغربية، و ستتم محاسبتهم و متابعتهم في حالة وجود أي خروقات إدارية و مالية، عكس ما يحدث حاليا حيث باتت الأندية كأنها في ملكيتهم الخاصة يفعلون بها و فيها ما يريدون بدون حسيب و لا رقيب.
المؤكد أن دخول الأثرياء المغاربة المجال الرياضي من شأنه إعطاء دفعة قوية للرياضة المغربية و جعلها تنافس بكل قوة على البطولات و الكؤوس العربية، القارية و الدولية، و أن تصبح الرياضة المغربية صناعة قائمة الذات، تشغل الآلاف من الأشخاص وفق هيكلة احترافية و تدبير معقلن و تسيير شفاف بعيدا عن العشوائية و الإترجال و الضبابية التي تسود المنظومة الرياضة المغربية منذ استقلال البلاد خمسينيات القرن الماضي.
في انتظار دخول بعض من الأثرياء المغاربة في استثمار حقيقي في الرياضة المغربية، ستظل الأندية و معها الجامعات الرياضية تعاني من غياب السيولة المالية الكفيلة بتطوير نفسها و تحسين مردودها و إنتاجها، و سنتابع يوميا أخبار عن وجود الكثير من الأندية المغربية على حافة الإفلاس، و عجزها عن تسديد الرواتب الشهرية للاعبين و الموظفين، أما الحديث عن مشاريع و مخططات مستقبلية تعود بالنفع على الجميع فذاك بات من سابع المستحيلات.
عزالدين امزيان – 8 نونبر 2016