بقليل من الانضباط وضبط النفس، كان بإمكان المغاربة جميع المغاربة، الاستمتاع لأطول وقت ممكن بسحر أمير القلعة الحمراء، رضوان العلالي، لكن ويا للأسف الشديد ضاعت موهبة استثنائية بين الكثير من النفوس الأمارة بالسوء، وعدم تحمل العواقب الوخيمة لكل تصرف طائش، ولم يتم تغليب المصلحة العليا للوداد أولا وأخيرا وفوق كل شيء آخر.
فرضوان العلالي مثله مثل أي عبقري، لابد وأن يبدع في مجاله حد التطرف، وفي أي لحظة تهور وضعف ينقلب إلى ضد ذاك التطرف، فكان إبداع الساحر الأحمر فوق المستطيل الأخضر فوق التصور والوصف الدقيق، وتعجز الكلمات عن التعبير البليغ للأداء الرائع الذي بصم عليه في الكثير من المباريات الخالدة في ذاكرة العشاق الأوفياء لوداد كل القلوب والعقول، ومن منا لا يتذكر اللقاء التاريخي للوداد الرياضي أمام الترجي التونسي، عفوا المنتخب التونسي، يوم 25 أكتوبر 1998، أمام جمهور قياسي لم يعرف مثله مركب محمد الخامس حتى في عز تألق المنتخب المغربي للكبار بنجومه اللامعين في لقاءاته المصيرية والحاسمة، مثل مباراتي زامبيا سنة 1993 وغانا سنة 1997 على سبيل المثال لا الحصر.
في ذاك اليوم الخالد في الذاكرة وإلى الأبد، قاد الساحر الأحمر رفاقه “الصغار ” لكن بقتالية الرجال الأبطال، إلى إذلال فيروس الكرة التونسية، وتحويل الهزيمة القاسية وغير المنتظرة في قلب ملعب المنزه برباعية ذات ليلة ماطرة، إلى ما يشبه المعجزة في زمن ولت فيه المعجزات. حيث عرف لوحده كيف جعل كبار نسور قرطاج صغارا أمام مهاراته الخارقة، وقوة اختراقاته التي لا يمكن إيقافها حتى في المساحات الضيقة، فما بالكم عندما تكون المساحة شاسعة، مثلما فعل بخالد بدرة عندما أسقطه ذات اليمين وذات الشمال في أكثر من مرة، فحتى الراقصة فيفي عبده لم ترقص مثل المسكين التونسي.
فبين طفولة قاسية حيث الفقر والبؤس بالسكن الصفيحي لكاريان بن مسيك بالدار البيضاء، وعشق للحمراء لا يمكن أن ينزعه عنه أي حد، إلى التواجد وسط جماهير الجارة الخضراء ذات لحظة يأس وضعف وحقد شخصي، تعبيرا عن شد الحبل مع رئيس ودادي لا يقل عنه تطرفا في عشق وداد الأمة، مرت الكثير من المياه تحت جسر الحياة الشخصية والكروية لرضوان العلالي، وذبلت أزهار حدائق فنه الكروي الأصيل، وتحولت إلى صحراء قاحلة، تحتاج لمن يسقيها بمياه الإرشاد والتوجيه نحو الوجهة الصحيحة، خاصة وأن الأمير المشاغب لم يكن قد نضج بعد بما فيه الكفاية ويحتاج للكثير من العناية.
صحيح أنه داخل قلعة الوداد الرياضي ومعها البطولة المغربية، سطعت العشرات من الأسماء العملاقة والاستثنائية في سماء النجومية، لكن لاعب بمواصفات ومهارات رضوان العلالي، لا أعتقد جازما وصادقا أن المتتبع المغربي شاهد أو سيشاهد مثله في يوم من الأيام، لأنه ببساطة البساطة اجتمع فيه ما تفرق في غيره، حيث شكل بمفرده العنوان البارز للتفرد الكروي الجميل، وحده من كان يقود الوداد إلى التكلم بلغة الانتصارات، في زمن ساد فيه جفاف التواضع والنتائج السلبية، لتكون نتيجة النتائج النهائية هي أنه أفضل صانع ألعاب، وأشهر حامل للرقم 10 في تاريخ الوداد الرياضي والبطولة المغربية لكرة القدم إلى يومنا هذا .
ليست المباراة التاريخية للوداد الرياضي أمام سرطان الكرة التونسية، من لا زالت راسخة في ذاكرة الذكريات الجميلة، بل إن لقاء نهاية كأس العرش أمام الجيش ليوم 11 يوليوز 1999، والتي أقيمت بملعبه بالرباط، بحضور جمهور ودادي قياسي، شاهدة على ما كان يملكه رضوان العلالي من مؤهلات تقنية وفنية، قاد بهما الفرسان الحمر إلى نيل اللقب الغالي، عندما مرر كرة ذهبية من زاوية ضيقة جدا مرت بأعجوبة وسط مجموعة من المدافعين ومعهم حارس المرمى، سجل منها بوجمعة قصاب هدف السبق، ليتكلف بنفسه بعملية دفن أحلام العساكر في مقبرة الاستسلام للأمر الواقع، وذلك مع بداية الجولة الثانية بتسديدة من زاوية صعبة أيضا، شبيهة إلى حد ما بالهدف التاريخي للقناص ماركو فان باستان، خلال نهاية بطولة أمم أوروبا سنة 1988، الفرق الوحيد بين الهدفين، هو أن تسديدة المهاجم الهولندي كانت على الطاير، في حين كانت قذيفة ابن الوداد أرضية.
أتذكر بتفصيل التفاصيل أن هذا اليوم بالضبط سيشكل انعطافة تاريخية في حياتي الشخصية، حيث سأتخذ يوما بعد ذلك، قرارا بالبدء في تأليف هذا الكتاب الذي تقرأ صفحاته، بعد مسيرة واحد وعشرين سنة من التدوين اليومي والتأريخ المستمر لأحداث النادي الذي عشقته بكل الجنون وبكل الفنون وبالقلب الحنون.
بالعودة إلى بطل هذه الصفحة بعد بوح شخصي كان لا بد من الوقوف عنده نظرا لما تبع رمزية يوم التتويج بالكأس الفضية، فإن مياه شلال الإبداع الكروي لرضوان العلالي، لم تتوقف في إرواء عطش الجمهور الودادي المتعطش على الدوام إلى مزيد من جرعات الفرجة والاحتفالية، مثلما حدث يوم عاشر ماي 1998، عندما سجل الهاتريك التاريخي في مرمى اتحاد دوالا الكاميروني برسم ربع نهاية كأس الكؤوس الإفريقية بملعب العربي الزاولي، مساهما بشكل فعال في التأهل إلى المربع الذهبي ومواجهة الخبث الكروي للتونسيين، في شخص سرطان كرتهم وفسادها المتعفن على الدوام.
فرضوان العلالي لم يكن مجرد مبدع مهاري أو فنان موهوب في وسط الميدان، بل كان فلتة كروية كادت أن تحدث فتنة كبيرة داخل الأوساط الكروية المغربية، لو عرف كيف يستغل كل ما كان يملكه لصالحه، لكن كثيرة هي الأخطاء القاتلة التي وقع فيها، ومنها خطيئة العمر بالتواجد وسط جماهير الجارة الخضراء، إضافة إلى غلطة لا تغتفر عندما قاد وباقتدار شديد الانقلاب الرياضي على مدربه آنذاك بالوداد نهاية تسعينيات القرن الماضي، بادو الزاكي، بتحريض من مسير يدعي حب الوداد، لكن حبه لتخريبها أقوى من ذلك، وفي ذلك لا ينافسه أحد داخل وخارج القلعة الحمراء، حتى لو بحثنا عنه في بلاد المحترف فاسيلي.
الحديث عن رضوان العلالي من خلال كلمات عابرة، لا يمكن بأي حال من الأحوال فصله عن لقاءات الديربي الكلاسيكي، التي تجمع عادة بين نادي الوداد الرياضي وجارته الخضراء، حيث يشكل لوحده فصل قائم الذات إن لم يكن الأهم في قائمة فصول الإثارة والتشويق، لما قدمه طيلة الديربيات التي شارك فيها، خاصة تلك الممتدة بين سنتي 1998 و 2002، ليبقى ديربي أبريل 2001 الشاهد على الشهد الذي قدمه الأمير المشاغب، عندما تلاعب بلاعبي الجارة كما شاء ورقصهم متى شاء، في نسخة مماثلة لما فعله بلاعبي سرطان الكرة التونسية، وفي ذات الوقت حارما الوداد من فوز كبير جدا قدرته جريدة الغريم في ما بعد بسباعية على الأقل.
في هذا الديربي بالذات فعل رضوان العلالي العجب العُجاب، لدرجة أن وصفته إحدى الجرائد الرياضية فور نهاية اللقاء بثلاثية للذكرى والتاريخ، بالكابتن ماجد، لأن كل الألقاب والمصطلحات من مارادونا المغرب والفنان والمبدع والساحر، وقفت احتراما وتقديرا لأبو وداد، تاركة لقب الكابتن ماجد أشهر أبطال الرسومات المتحركة التي عالجت موضوع الساحرة المستديرة، يلتصق حصريا واستثنائيا بلاعب واحد اسمه رضوان العلالي.
هو باختصار أبو وداد الذي تمنى عشاق جميع منافسي الوداد أن يكون عنصرا من عناصر فريقهم المفضل، لمعرفتهم المسبقة أنه الوحيد من كان قادرا على زرع الرعب في حياتهم، ودس السم القاتل في شرايين عروقهم الكروية….
عز الدين امزيان ( سطات ) 8 ماي 2020